ابن قيم الجوزية

371

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

تعظيم ، أورثاه خروجا عن حدود العبودية ورعونة . فكل حب لا يقارنه تعظيم المحبوب : فهو سبب للبعد عنه ، والسقوط من عينه . فقد تضمن كلامه خمسة أمور : سير إلى اللّه ، واستدامة هذا السير ، وحضور القلب معه ، وتعظيمه ، والذهول بعظمته عن غيره . وأما قوله : « ومداناة حاملة » فيريد دنوا وقربا حاملا على هذه الأمور الخمسة . وهذا الدنو يحمله على التعظيم الذي يذهله عن نفسه وعن غيره . فإنه كلما ازداد قربا من الحق ازداد له تعظيما ، وذهولا عن سواه ، وبعدا عن الخلق . وأما « السرور الباعث » فهو الفرحة والتعظيم ، واللذة التي يجدها في تلك المداناة فإن سرور القلب باللّه وفرحه به ، وقرّة العين به . لا يشبهه شيء من نعيم الدنيا البتة . وليس له نظير يقاس به . وهو حال من أحوال أهل الجنة . حتى قال بعض العارفين : إنه لتمر بي أوقات أقول فيها : إن كان أهل الجنة في مثل هذا ، إنهم لفي عيش طيب . ولا ريب أن هذا السرور يبعثه على دوام السير إلى اللّه عزّ وجلّ ، وبذل الجهد في طلبه ، وابتغاء مرضاته . ومن لم يجد هذا السرور ، ولا شيئا منه فليتّهم إيمانه وأعماله . فإن للإيمان حلاوة ، من لم يذقها فليرجع وليقتبس نورا يجد به حلاوة الإيمان . وقد ذكر النبي صلى اللّه عليه وسلم ذوق طعم الإيمان ووجد حلاوته . فذكر الذوق والوجد ، وعلقه بالإيمان . فقال : « ذاق طعم الإيمان من رضي باللّه ربا ، وبالإسلام دينا وبمحمد رسولا » وقال : « ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان : من كان اللّه ورسوله أحب إليه مما سواهما . ومن كان يحب المرء لا يحبّه إلا للّه . ومن يكره أن يعود في الكفر - بعد إذ أنقذه اللّه منه - كما يكره أن يلقى في النار » . وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية - قدس اللّه روحه - يقول : إذا لم تجد للعمل حلاوة في قلبك وانشراحا فاتهمه . فإن الرب تعالى شكور . يعني أنه لا بد أن يثيب العامل على عمله في الدنيا من حلاوة يجدها في قلبه . وقوة انشراح وقرة عين « 1 » فحيث لم يجد ذلك فعمله مدخول . والقصد : أن السرور باللّه وقربه ، وقرة العين به ، تبعث على الازدياد من طاعته ، وتحث على الجد في السير إليه . * * * قال : « الدرجة الثانية مراقبة نظر الحق برفض المعارضة ، بالإعراض عن الاعتراض ، ونقض رعونة التعرض »

--> ( 1 ) ذلك أن « الثواب » هو الراجع للعامل على عمله . فللأعمال عاقبة تعود على صاحبها وتتصل بحياته وجميع شؤونه . فالصلاة تنهاه عن الفحشاء والمنكر . وتهذيب الأخلاق وترقي أعلى تربية يحبها الرب سبحانه . وهكذا الصيام يقوي العزيمة ، ويمكن للنفس اللوامة ، وللبصيرة أن تشرق فيرى الصراط السوي فيكون من المتقين . وهكذا كل الأعمال الصالحة فإن لها ثوابا يصلح الشؤون كلها هنا ، فتسعد به الحياة في الأسرة والمجتمع ، كما أن أعمال السوء لها كذلك لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى و الَّذِينَ أَساؤُا السُّواى .